الفقرة 49 ـ السفر إلى بروكسل ـ يوميات فنان مهاجر ـ بحثا عن الزمن الضائع
السفر إلى بروكسل
يوميات فنان مهاجر
بحثا عن الزمن الضائع
السفر إلى بروكسل
ف ف. . في طريقنا نحو طنجة، الذي لم يسبق لي أن مررْتُ منه أو رأيتُه من قبل
أبدا، كنتُ أفكّر وأنا أتأمّل مناظر بلادي الطبيعية الخلاّبة: حقول ومزارع وقُرى
ريفية، ومنازل وبيوت مُتناثرة هنا وهناك بين وفوق الجبال. إنها ديار ومنازل إخوتي الأمازيغ، سكان هذه المنطقة
الأصليين. وأحيانا أشاهد رُعاة يسوقون ماشيتهم لِترتع الأعشاب وتهيم في الطبيعة بحرية محدودة، ونساء جميلات يقمن بأعمال فلاحية في ظروف صعبة.ة
و. . وأحيانا، تنبثق أمامنا زوايا ومساجد، وصوامع ومقابر، وأضْرحة لِأولياء الله
الصالحين. كلها تعكس أوضاع الاستلاب والعبودية المتفشية في
هذه المنطقة
المهمشة والمنسية. إنها مناظر البؤس في دولة متخلّفة، تحيا تحت رحمة السماء، والمُسْتجاب من الدعاء..!ة


إ. . وأحياناً أخرى، تترائى لنا على قارعة
الطريق، لوحة صفراء أو بيضاء شِبه ممْسوحة ومُهشّمة، مكتوبة بالأحمر، تُنبّه السائقين
بالتواءات ومخاطر الطريق الضيقة.
ء. . خلال كل مدة سفرنا، كنتُ
جالسٌ في المقعد الأمامي قُرْبَ خالي مُحمّادي. هو الذي طلب مِنّي ذالك لِأساعده
على قراءة يافطات وإشارات المُرور في الطرق السّيّارة. أمّا زوجته وأولاده
السّبعة، فقد كانوا يجلسون في صالون السيارة الخلْفي. عندما وصلنا إلى طنجة، جلسنا
ننتظر أكثر من ثلاث ساعات لِنتمّكّن من الدخول أخيرا في مرآب الباخرة العملاقة،
التي ستقلنا عبْر مضيق جبل طارق، إلى مدينة "الخيزيراس" الإسبانية، على
الضفّة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.ء
يوميات السفر. الحياة في تامازغا...
ت
تاه
خيالي بعيدا عن الآن. وبدأتْ أجنحته تُرفرف حول مرافئ حياتي المختلفة، وبدأتُ أغوص
في مراحل طفولتي البريئة ودهاليزها الممتعة، كيف مات أبي في حادثة سير في الجزائر، وكيف هاجرتْ
بنا أمي من قرية بني سيدال إلى الناظور، وكيف عشتُ سبع سنين مغتربا في الرباط بعيدا عن عائلتي.
وكيف أفكر في هجراتنا وأنا الآن في طريق الهجرة ! حياتي كلها صارت هجرة في هجرة !
كأننا نتيه بلا جذور.ء
. ءتناولتُ دفتر مُذكّراتي وقلمي
واستأنفْتُ الكتابة :
ء "... مررنا من مدينة
اشبيلية وتوليذو ومدريد، ومنها إلى سرغوص وليموجين، وتولوز الفرنسية. ثم عرجنا على مدينة "ليل"، ودخلنا إلى
ضواحي بروكسل.
. . كنتُ أعرف جغرافية البلد الذي نعْبُره من خلال لغة اليافطات الزرقاء العملاقة، التي تُنْصَب فوق الطرق السيارة الجد عريضة، لكيلا يتعذب أو يلْتفتَ السائق إلى اليمين واليسار، ليرى مثل تلك اليافطات الصغيرة على
جانب الطرق بمشقة، كما رأينا في طريقنا إلى طنجة.ة
ء. . دخلنا
منطقة العاصمة باريس وضواحيها، والتي أخطأ خالي الطريق في أحد منعرجاتها، فبقينا اكثر من
ساعة ونصف، ونحن ندور حولها ونبحث عن اتّجاه بروكسل. كانت الساعة تشير إلى الثامنة
والربع مساء، فقرّر خالي قضاء الليل في إحدى محطات الاستراحة المجهزة بفنادق وغرف للنوم،
ومطاعم للأكل، ودكاكين ومقاهي ومراحيض نظيفة، ومحطات للوقود والصيانة.ة
أ
أوْقَفَ
خالي السيارة في مكان هادئ فيه سيارات أخرى لِعائلات مغربيات مهاجرة مثلنا، تحيط
به الأشجار والورود من كل جانب. وأخرجتْ زوجته زربية خفيفة وفرَشتْها لِخالي
لِيستريح من عناء السفر. كما أتتْ بالخبز وبراد شاي وعلب السمك لِلعشاء.
واستغلّيتُ الفرصة لِأدخّن سيجارتي رفقة ابنهم ميلود، ونحن نقوم بنزهة ليس بعيدا عن
العائلة. وفي الصباح الباكر اِستأنفنا طريقنا نحو بروكسل.ء
Les
autoroutes Européennes
ء وأخيرا، وبعد ساعة ونصف من الطريق في ضواحي العاصمة، وصلنا
إلى دار خالي ببروكسل. وهنا ستبدأ مرحلة أخرى من مراحل حياتي
المتشظية : مرحلة "الحياة في بلجيكا"...ء
اِنتهى الجزء الأول من
اليوميات التي ستأخذ طريقها نحو الطبع ورقيا، وسيليه الجزء الثاني تحت عنوان : " الحياة في بلجيكا" ...ء
قراءة ممتعة







Commentaires
Enregistrer un commentaire